مشكلة الشر

Summary

يفحص الحجج المنطقية والاحتمالية probabilistic المبنية على الألم والشر ضد وجود الله.

مؤكـَّد أن مشكلة الشر تمثل أكبر عائق أمام الإيمان بوجودِ الله. وعندما أفكر مليًا في كلٍّ من انتشار الألم وتوغله في العالم سواء بسبب قسوة الإنسان على الإنسان أم بسبب الكوارث الطبيعية، ينبغي أن أعترف أني أجد صعوبة في الإيمان بوجودِ الله. ولا شك أن الكثير منكم شعر بهذا الشعور. ربما يجب علينا جميعًا أن نصبح ملحدين.

ولكنه قرار خطير. فكيف نتأكد أن الله غير موجود؟ ربما يكون هناك سبب يجعلُ الله يسمح بكل ما في العالم من شر. ربما أنه برمته يمثل جزءًا من المخطط الكبير للأمور الذي لا يمكننا أن نميزه إلا صورة باهتة له، هذا إن تمكنـَّا من تمييزه أصلاً. فكيف نتأكد؟

بصفتي مسيحيًا أؤمن بوجودِ الله، فإني مقتنع أن مشكلة الشر، على بشاعتها، لا تشكل في نهاية الأمر تفنيدًا لوجودِ الله. بل إني أعتقد في الواقع أن الإيمان بالله من المنظور المسيحي هو آخر أفضل أمل للإنسان لحل مشكلة الشر.

ولتفسير شعوري هذا، من المفيد أن نميز بين بعض الأفكار حتى تتضح الأمور في ذهننا. أولاً لابد أن نميز بين مشكلة الشر الفكرية ومشكلة الشر النفسية. ومشكلة الشر الفكرية تتعلق بكيفية تقديم تفسير عقلاني لإمكانية تواجد كلٍّ من الله والشر معًا. أما مشكلة الشر النفسية تتعلق بكيفية إزالة كراهية الناس العاطفية لإله يسمح بالألم.

والآن لنتناول أولاً مشكلة الشر الفكرية. وهي مشكلة لها صورتان. أولاهما مشكلة الشر المنطقية. والثانية مشكلة الشر الاحتمالية.

تقول مشكلة الشر المنطقية إنه يستحيل منطقيًا تواجدُ كلٍّ من الله والشر معًا. فإن كان الله موجودًا،لا يمكن أن يكون الشر موجودًا. وإن كان الشر موجودًا لا يمكن أن يكون الله موجودًا. وبما أن الشر موجود، إذَن الله ليس موجودًا.

إلا أن مشكلة هذه الحجة أنه ليس هناك مبرر للاعتقاد بأن الله والشر غير متوافقين منطقيًا. فليس هناك تناقض صريح بينهما. ولكن إن كان الملحد يعني أن هناك تناقضًا ضمنيًا بين الله والشر، إذَن لابد أنه يفترض فرضيات خفية تـُنتج هذا التناقض الضمني. إلا أن المشكلة أنه لم يتمكن أي فيلسوف من تحديد هذه الفرضيات. ومن ثم فمشكلة الشر المنطقية تفشل في إثبات أي تناقض بين الله والشر.

بل الأكثر من ذلك أنه يمكننا في الحقيقة أن نثبت أن الله والشر متسقان منطقيًا. فالملحد يفترض مسبقـًا أن الله لا يمكن أن تكون لديه أسباب كافية أخلاقيًا للسماح بالشر في العالم. إلا أن هذا الافتراض ليس صحيحًا بالضرورة. فطالما أنه من الممكن أن يكون عند الله أسباب كافية أخلاقيًا للسماح بالشر، يستتبع ذلك أن الله والشر متسقان منطقيًا. ومن المؤكد أن هذا يبدو ممكنـًا على الأقل من الناحية المنطقية. لذلك، فإني سعيد جدًا أني أستطيع أن أُعَرِّفَك أن هناك اتفاقـًا عامًا بين الفلاسفة المعاصرين على أن مشكلة الشر المنطقية قد تبددت. فتواجدُ كلٍّ من الله والشر ممكن منطقيًا.

ولكننا لم نتغلب على كل الصعوبات بعد. فما زلنا نواجه مشكلة الشر الاحتمالية. ووفقـًا لهذه الصورة من المشكلة، تواجدُ الله مع الشر ممكن منطقيًا، ولكنهغير محتمل. فالشر منتشر ومتوغل في العالم بدرجة كبيرة جدًا حتى إنه ليس من المحتمل أن الله يكون لدى الله أسباب كافية أخلاقيًا للسماح به. ومن ثم، مع ما يحدث من شر في العالم، ليس من المحتمل أن يكون الله موجودًا.

هذه الحجة أقوى بكثير. لذا أود أن أركز عليها. وردًا على هذه الصورة من مشكلة الشر، أريد أن أوضح ثلاث نقاط رئيسية:

1- لسنا في وضع يسمح لنا أن نـُقـَيِّم احتمالية ما إذا كان الله لديه أسباب كافية أخلاقيًا لما يحدث من شرور. فبصفتنا أشخاصًا محدودين، فإننا محدودون في الزمان والمكان والذكاء والبصيرة. ولكنَّ الله كلي السيادة والمتجاوز لحدود الزمان والمكان يرى النهاية من البداية ويرتب التاريخ بعنايته بحيث تتحقق مقاصده في النهاية عن طريق قرارات الإنسان الحرة. وحتى يحقق الله غاياته قد يتعين أن يحتمل بعض الشرور في طريق تحقيق الغاية. فالشرور التي تبدو لنا بلا مغزى في إطارنا المحدود قد يكون لها ما يبررها في إطارِ الله الأشمل. ويمكنني أن أستعير صورة من مجال علمي ناشئ، هو نظرية الفوضى. فقد اكتشف العلماء أن بعض الأنظمة التي تـُرى بالعين المجردة، مثل أنظمة الطقس أو جماعات الحشرات تكون شديدة الحساسية لأقل قدر من التشويش. فالفراشة التي ترفرف على أحد الأغصان في غرب أفريقيا قد تحركُ قوى تسفر في النهاية عن إعصار على المحيط الأطلنطي. ولكنه يستحيل من حيث المبدأ على أي شخص يلاحظ تلك الفراشة وهي تضرب بجناحيها على الغصن أن يتوقع هذه النتيجة. وهكذا قَتـْل رجل بريء بوحشية أو موت طفل بسبب سرطان الدم قد يُنتج نوعًا من التأثير الممتد على مر التاريخ بحيث إن سبب الله الكافي أخلاقيًا للسماح به قد لا يظهر إلا بعد قرون وربما في بلد آخر. فعندما تفكر في تسييرِ الله للتاريخ كله، أظن أنه يمكنك أن تدرك كم هو مستحيل على ملاحظين محدودين أن يستنتجوا احتمالية أن يكون عند الله أسباب كافية أخلاقيًا للسماح بشر معين. فنحن لسنا في الوضع المناسب الذي يُمَكـِّننا من تقييم هذه الاحتمالات.

2- الإيمان المسيحي يحوي تعاليم تُزيد من احتمالية تواجدِ الله والشر معًا. وبذلك تقلل هذه التعاليم من عدم احتمالية وجودِ الله الذي يُعتقَد أنه يَنتج عن وجود الشر. ما هي بعض هذه التعاليم؟ سأذكر أربعة:

أ‌) غرض الحياة الرئيسي ليس السعادة، بل معرفة الله. من الأسباب التي تجعل مشكلة الشر تبدو محيرة للغاية أننا نميل للاعتقاد بأنه إن كان الله موجودًا، إذَن هدفه للحياة البشرية هو السعادة في هذا العالم. إن دور الله أن يوفر بيئة مريحة للبشر المدللين لديه. ولكن هذا الكلام خاطئ من المنظور المسيحي. فنحن لسنا لله كالقطط المنزلية المدللة، وغاية الإنسان ليست السعادة في هذا العالم، بل معرفة الله التي ستجلب في النهاية إشباعًا إنسانيًا مستديمًا. والكثير من الشرور التي تحدث في الحياة قد تكون فارغة تمامًا من أي معنى إن كنا نـُقـَيِّمها على أساس هدف إنتاج السعادة البشرية في هذا العالم، ولكننا عندما نـُقـَيِّمها على أساس إنتاج معرفةِ الله تكون ذات معنى عميق. فألم البشر الأبرياء يوفر فرصة لمزيد من الاعتماد على الله والثقة فيه، سواء من جانب المتألم أم من جانب المحيطين به.ورد فعلنا هو طبعًا الذي يحدد ما إذا كان قصدُ الله سيتحقق عن طريق أَلَمِنا أم لا. هل نَرُدّ بالغضب والمرارة تجاه الله، أم نلجأ إليه بالإيمان ليمنحنا قوة للاحتمال؟

ب‌) الجنس البشري في حالة من التمرد على الله وقصده. بدلاً من أن يخضع الناس لله ويعبدوه، يتمردون عليه ويسيرون في طريقهم، ومن ثم يجدون أنفسهم مغتربين عنِ الله، ومذنبين أخلاقيًا أمامه، يتخبطون في ظلام روحي، ويتبعون آلهة زائفة من صُنْعِهم. إن الشرور البشرية الفظيعة في العالم تشهد عن فساد الإنسان وهو في هذه الحالة من الاغتراب الروحي عنِ الله. والمسيحي لا يستغرب من الشر البشري في العالم، بل يتوقعه. فالكتاب المقدس يقول إن الله أسلم الجنس البشري للخطية التي اختارها. أي أنه لا يتدخل لإيقافها، ولكنه يدع الفساد البشري يأخذ مجراه. وهو ما يُزيد من مسؤولية الإنسان الأخلاقية أمام الله، ويؤكد شرَّنا وحاجتنا للغفران والتطهير الأخلاقي.

ج‌) معرفةُ الله تفيض إلى حياة أبدية. في المنظور المسيحي هذه الحياة ليست كل شيء. ولكن يسوع وَعَدَ بحياة أبدية لكل من يضع ثقته فيه مخلصًا وربًا له. وفي الحياة الآتية سيكافئ الله من تَحَمَّلوا آلامهم في شجاعة وثقة بحياة أبدية تمتلئ بفرح لا يُنطق به. والرسول بولس الذي كتب جزءًا كبيرًا من العهد الجديد عاش حياة مليئة بألم لا يوصف. ومع ذلك كتب: ’’لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا. لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًاونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا تُرى. لأن التي تُرى وقتية وأما التي لا تـُرى فأبدية‘‘ (2 كو 4: 16–18). يتخيل بولس ميزانًا توضع في إحدى كفتيه كل ضيقات هذه الحياة، ويوضع في الكفة الأخرى المجدُ الذي سيهبه الله لأبنائه في السماء. إن ثقل المجد عظيم جدًا حتى إنه يستحيل حرفيًا مقارنته بالضيق. وكلما طالت الأبدية، قـَصُرَت آلام هذه الحياة حتى أصبحت لحيظة عابرة. ولذلك استطاع بولس أن يسميها ’’خفة ضيقتنا الوقتية‘‘، ولكنها انجرفت في محيط الأبد والفرح الإلهي الذي يغدقه الله على مَن يثقون فيه.

د‌) معرفةُ الله خيرٌلا يضاهيه خير. إن معرفة الله، مصدر الخير والحب اللانهائي، هي خير لا يُقاس بشيء، إنها اكتمال الوجود الإنساني. وضيقات هذه الحياة لا يمكن حتى أن تقارَن به. لذا، فالشخص الذي يعرفُ الله، مهما كانت معاناته، ومهما كانت قسوة آلامه، يمكنه أن يقول: ’’الله طيب لي‘‘ على أساس معرفته بالله، الخير الأسمى.

هذه التعاليم المسيحية الأربعة تـُحِدّ كثيرًا من عدم احتمالية وجودِ الله بسبب وجود الشر.

3- وجودُ الله محتمل بالنسبة إلى مجمل الأدلة المتوفرة. تقاس الاحتمالات بنسبتها إلى ما لديك من معلومات. فمثلاً، هب أن ﭽو طالب في جامعة كولورادو. والآن تَخَيَّل أننا عرفنا أن 95% من طلاب جامعة كولورادويمارسون رياضة التزلج. فبالنسبة إلى هذه المعلومات، هناك احتمال كبير أن يكون ﭽو ممن يتزلجون. ولكن افرض أننا عرفنا أيضًا أن أحد أطراف ﭽو مبتور وأن 95% من مبتوري الأطراف في جامعة كولورادو لا يتزلجون. هنا تنخفض احتمالية أن يكون ﭽو من المتزلجين انخفاضًا حادًا.

وهكذا إن كان كل ما تفكر فيه من معلومات هو الشر الذي في العالم، إذَن ليس غريبًا أن يبدو وجودُ الله غير محتمل بالنسبة إلى تلك المعلومات. ولكن هذا ليس السؤال الحقيقي. بل السؤال الحقيقي هو ما إذا كان وجودُ الله غير محتمل بالنسبة إلى مجملالأدلة المتاحة. وإني مقتنع أنه عندما تأخذ كل الأدلة في مجملها، يكون احتمال وجودِ الله كبيرًا جدًا.

*وأوُرِد هنا ثلاثة أدلة :

أ‌) الله يقدم أفضل تفسير لوجود الكون بدلاً من العدم. هل سبق أن سألت نفسك عن سبب وجود أي شيء أصلاً؟ من أين أتى كل شيء؟ اعتاد الملحدون أن يقولوا إن الكون أزلي وبلا مسبب. إلا أن اكتشافات الفلك والفيزياء الفلكية في الثمانين سنة الأخيرة أظهرت عدم احتمالية هذا الكلام. فنموذج الانفجار الكبير للكون يبين أن كل المادة والطاقة، بل حتى المكان والزمان الفيزيائيَّين أتت إلى الوجود عند نقطةٍ ما منذ حوالي 13,5 مليار سنة. وقبل تلك النقطة لم يكن الكون موجودًا. ومن ثم، يستلزم نموذج الانفجار الكبير خلق الكون من عدم.

يبدو هذا الكلام محرجًا جدًا للملحد. فالفيلسوف الملحد "كوِنتن سميث" Quentin Smith يكتب:

رد فعل الملحدين واللاأدريين على هذا الكشف كان ضعيفًا نسبيًا، بل يكاد يكون منعدمًا. ويبدو أن الصمت غير المريح هو القاعدة عندما تبرز القضية بين غير المؤمنين. … وليس صعبًا أن نكتشف سبب الحرج بين غير المؤمنين بالله. وهو ما يحاول "أنتوني كني" Anthony Kennyتوضيحه في هذه العبارة: ’’مؤيد نظرية [الانفجار الكبير]، على الأقل إن كان ملحدًا، لابد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء‘‘.

المسيحي المؤمن بالله الخالق لا يواجه هذه الصعوبة لأن كل ما تفعله نظرية الانفجار الكبير أنها تؤكد ما آمن به دائمًا: أنه في البدء خلق الله الكون. والآن أَتْرُك القرار لك. أيهما أكثر معقولية: أن المسيحي المؤمن بالله الخالق على صواب أم أن الكون ظهر إلى الوجود بلا مسبب ومِن لا شيء؟

2- الله يقدم أفضل تفسير لنظام الكون المعقد. أثناء الأربعين سنة الأخيرة اكتشف العلماء أن وجود حياة ذكية يتوقف على توازن معقد ودقيق للشروط المبدئية المتضمنة في الانفجار الكبير نفسه. ونحن الآن نعلم أن احتمالية الأكوان المانعة للحياة أكبر بكثير من كون يسمح بالحياة مثل كوننا. فما مقدار هذه الاحتمالية؟

الإجابة هي أن احتمالات أن يسمح الكون بالحياة متناهية الصغر بحيث لا يمكن فهمها ولا حسابها. فمثلاً، لو حدث تغيير في قوة الجاذبية أو القوة الضعيفة الذرية بمقدار جزء واحد فقط من10010 لأصبحت الحياة على الكون مستحيلة. وما يطلق عليه الثابت الكوني "لامدا" "lambda" الذي يدفع التمدد التضخمي للكون والمسؤول عن تسارع التمدد الكوني الذي اكتـُشِف حديثًا، مضبوط ضبطًا دقيقًايبلغ حوالي جزء من12010. ويحسب "روﭽر ﭘنروز" Roger Penrose عالم الفيزياء بجامعة أكسفورد أن احتمال أن يكون شرط الإنتروﭘـي المنخفض الخاص بكوننا، الذي تعتمد عليه حياتنا، قد نشأ بمحض الصدفة هو احتمال شديد الضآلة يبلغ على الأقل حوالي جزء من 1010(123). ويعلق "ﭘنروز" على ذلك قائلاً: ’’لا يمكنني حتى أن أتذكر أني رأيت أي شيء آخر في الفيزياء تقترب دقته، ولو من بعيد، إلى رقم مثل جزء من 1010(123)‘‘. وهناك العديد من الكميات والثوابت التي لابد أن تـُضبط ضبطًا دقيقًا بهذه الطريقة حتى يسمح الكون بالحياة. والأمر لا يقتصر على ضبط كل كمية على حدة ضبطًا متناهي الدقة، بل نِسَب هذه الكميات لبعضها البعض لابد أيضًا أن تـُضبط ضبطًا دقيقًا. وهكذا نضرب عدم الاحتمالية في عدم الاحتمالية في عدم الاحتمالية حتى تتيه عقولنا وسط أرقام مستحيلة الفهم.

وليس هناك تفسير فيزيائي يعلل ضرورة أن يكون لهذه الثوابت والكميات هذه القِيَم. وهو ما يعلق عليه عالِم الفيزياء "ﭘول ديـﭬيز" Paul Davies، اللاأدري سابقًا بالقول: ’’من عملي في العلم توصلت إلى قناعة راسخة بأن الكون المادي متماسك معًا بعبقرية مذهلة حتى إني لا أستطيع أن أقبل أنه مجرد حقيقة اعتباطية‘‘. ويشير "فرِد هويل" Fred Hoyle إلى فكرة مشابهة قائلاً: ’’إن التفسير القائم على الحكم السليم يرجح أن عقلاً أعلى قد تَدَخـَّل في الفيزياء‘‘. وهو ما يطلق عليه "روبرت ﭽاسترو" Robert Jastrow الرئيس السابق لمعهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة ناسا NASA'S Goddard Institute for Space Studies أقوى دليل على وجودِ الله من العلم.

والموقف الذي طالما آمن به المسيحيون المؤمنون بالله الخالق، ألا وهو أن الكون له مصمم ذكي، يبدو أكثر منطقية من الموقف الإلحادي الذي يقول بأن الكون عندما انبثق إلى الوجود من لا شيء وبلا مسبب، كان مضبوطًا بالصدفة هذا الضبط الدقيق الذي يستعصي على الفهم بما يسمح بوجود حياة ذكية.

3- القيم الأخلاقية الموضوعية في العالم. إن لم يكنِ الله موجودًا، فلا توجد قيم أخلاقية موضوعية. وهو ما يتفق عليه الكثير من المؤمنين والملحدين على حد سواء. فمثلاً "مايكل روز" Michael Ruse فيلسوف العلم يقول:

الأخلاق عبارة عن نوع من التـَكيـُّف البيولوجي لا يقل عن الأيدي والأقدام والأسنان. وعلم الأخلاق، باعتباره مجموعة من المزاعم المبرَّرة عقلانيًا بخصوص شيء موضوعي، هو وهم. وإني أفهم أن مَن يقول ’’تحب قريبك كنفسك‘‘، يظن أنه يشير إلى ما هو أعلى وأبعد من نفسه. إلا أنهذه الإشارة لا أساس لها على الإطلاق. فالأخلاق مجرد أداة للبقاء والتناسل، … وأي معنى أعمق هو وهم.

وملحد القرن التاسع عشر العظيم "فريدريك نيتشه" Friedrich Nietzsche الذي أعلن موت الله، أدرك أن موت الله يعني انهيار كل ما للحياة من معنى وقيمة.

وأعتقد أن "فريدريك نيتشه" كان مُحِقًا.

ولكننا لابد أن ننتبه هنا أن السؤال ليس: ’’هل لابد أن نؤمن بالله حتى نعيش حياة أخلاقية؟‘‘ لا أزعم ذلك. وليس السؤال: ’’هل يمكننا أن ندرك القيم الأخلاقية الموضوعية دون أن نؤمن بالله؟‘‘ أعتقد أنه يمكننا ذلك.

ولكن السؤال هو: ’’إن لم يكنِ الله موجودًا، فهل توجد قيم أخلاقية موضوعية؟‘‘ إني أتفق مع "روز" أنه ليس هناك ما يدعونا للاعتقاد بأن أخلاق القطيع التي طورها نوع الإنسان العاقل يمكن أن تكون موضوعية في غيابِ الله. فمهما كان، إن لم يكن هناك إله، فما الذي يميز البشر؟ إنهم مجرد منتجات ثانوية أنتجتها الطبيعة بالصدفة، وقد تطوروا منذ وقت قريب نسبيًا على ذرة تراب متناهية الصغر تائهة في مكان ما في كون شرس بلا عقل ومحكوم عليهم بالهلاك فرديًا وجماعيًا في غضون وقت قصير نسبيًا. وبناءً على المنظور الإلحادي، بعض الأفعال كالاغتصاب مثلاً قد لا تكون مفيدة بيولوجيًا أو اجتماعيًا، ومن ثم أصبحت أمرًا منبوذًا مع مراحل التطور البشري، ولكن هذا لا يُثبت إطلاقًا أن الاغتصاب خطأ فعليًا. فطبقًا للمنظور الإلحادي ليس هناك خطأ حقيقي في اغتصابك لشخص ما. لذا، بدونِ الله ليس هناك معنى مطلق للصواب والخطأ يفرض نفسه على ضمائرنا.

ولكن المسألة هي أن القيم الموضوعية موجودة بالفعل، وجميعنا يعرفها في أعماقه. فإن كان عندنا مبرر لإنكار الحقيقة الموضوعية للعالم المادي، يكون عندنا مبرر لإنكار الحقيقة الموضوعية للقيم الأخلاقية. وأفعال مثل الاغتصاب والوحشية والاعتداء على الأطفال ليست مجرد سلوكيات مرفوضة اجتماعيًا، ولكنها مكاره أخلاقية. فبعض الأشياء تمثل خطأ حقيقيًا.

والمفارقة هنا أن الشر يؤكد فعليًا وجود الله. لأنه إن كان من المستحيل وجود قيم موضوعية بدونِ الله، والقيم الموضوعية موجودة فعليًا، كما هو واضح من حقيقة وجود الشر، إذَن فالنتيجة الحتمية هي أن الله موجود. لذا، رغم أن الشر من وجهةٍ ما يشكك في وجودِ الله، فهو في الأساس يبين وجود الله، لأنه يستحيل أن يوجد شر دون وجودِ الله.

وكل هذا ليس سوى جزء من الأدلة على وجودِ الله. فقد شرح الفيلسوف البارز "آلـﭬين ﭘـلانتينجا" Alvin Plantinga اثنتي عشرة حجة أو نحو ذلك تـُثبت وجود الله. والقدرة التراكمية لهذه الحجج معًا تجعل وجود الله محتملاً.

وإيجازًا نقول إنه إذا كانت أطروحاتي الثلاث صحيحة، إذَن الشر لا يجعل وجود الله بناءً على المنظور المسيحي أمرًا غير محتمل. بل إننا إذا أخذنا في اعتبارنا كل الأدلة نتوصل إلى أن وجود الله أمر محتمل. وعليه فإن مشكلة الشر الفكرية تعجز عن الإطاحة بوجودِ الله.

ولكن هذا يأتي بنا إلى مشكلة الشر النفسية. وأظن أن معظم مَن يرفضون الله بسبب الشر الذي في العالم لا يفعلون ذلك حقيقةً بسبب تحديات فكرية، ولكنها في الحقيقة مشكلة نفسية. فهم ببساطة لا يحبون إلهًا يسمح لهم أو للآخرين بالمعاناة ومن ثم لا يريدون أن تكون لهم أي صلة به. ومن ثم إلحادهم هو إلحادُ رفض. فهل الإيمان المسيحي عنده ما يقوله لهؤلاء الأشخاص؟

بالتأكيد. لأنه يخبرنا أن الله ليس خالقًا بعيدًا أو كائنًا غير شخصي، ولكنه أب محب يشاركنا الآلام والجراح. وقد كتب البروفسور "ﭘـلانتينجا":

في المنظور المسيحي الله لا يقف مكتوف الأيدي،يشاهد مخلوقاته تتألم ولا يتحرك له ساكن. ولكنه يدخل في معاناتنا ويشارك فيها. إنه يعتصر ألمًا وهو يرى ابنه، الأقنوم الثاني في الثالوث، يُسَلـَّم إلى موت الصليب المرير بكل ما فيه من بشاعة وخزي. والمسيح كان مستعدًا لتحمل عذابات الجحيم نفسه… حتى يهزم الخطية، والموت، والشرور التي تحل بعالمنا، وليمنحنا حياة أمجد مما نتخيل. لقد كان مستعدًا أن يتألم نيابةً عنا، أن يقبل ألمًا تعجز عقولنا عن استيعابه.

لقد احتمل يسوع ألمًا يفوق إدراكنا. احتمل عقوبة خطايا العالم كله. ما من أحد منا يستطيع أن يستوعب ذلك الألم. فرغم أنه كان بريئًا، قَبِلَ طوعًا العقوبة التي كنا نستحقها. لماذا؟ لأنه يحبنا. كيف نرفض مَن ضحى بالكل لأجلنا؟

عندما ندرك تضحيته ومحبته لنا، نرى مشكلة الشر من منظور مختلف تمامًا. لأننا الآن نرى بوضوح أن مشكلة الشر الحقيقية هي مشكلة شرنا نحن. فبما أننا مملؤون خطية ومذنبون أخلاقيًا أمام الله، إذَن المشكلة التي نواجهها ليست: كيف يبررُ الله نفسه أمامنا، بل كيف نتبرر نحن أمام الله.

فالمفارقة أنه رغم أن مشكلة الشر تمثل أكبر اعتراض على وجودِ الله، ففي نهاية الأمر نجد أن الله هو الحل الوحيد لمشكلة الشر. لأنه إن لم يكنِ الله موجودًا، فنحن ضائعون ولا أمل لنا في حياة مليئة بألم اعتباطي لا فداء منه. إن الله هو الحل النهائي لمشكلة الشر لأنه يفدينا من الشر ويأخذنا إلى خير بلا حدود من الفرح الأبدي، فرح الشركة معه.